رفتن به محتوای اصلی

فان غوخ استلهم جماليات الطبيعة الفرنسية

فان غوخ
AvaToday caption
شهرته كرسام كانت قد تعززت في باريس بفضل المقالات النقدية المدحية العديدة التي حظي بها، قرر فان غوخ، فور خروجه من المصحّ، مغادرة الجنوب الفرنسي والاستقرار في "أوفير سور واز"
posted onOctober 8, 2023
noدیدگاه

"أوفير سور واز" بلدة صغيرة في ضاحية باريس، لكنها تتمتع بشهرة دولية بفضل الرسامين المشهديين والانطباعيين الذين استقروا فيها واستلهموا طبيعتها الخلابة في نهاية القرن التاسع عشر. سيزان، كورو، بيسارو، وخصوصاً فان غوخ الذي سكنها في الأيام الأخيرة من حياته ورسم فيها آخر أعماله، أكثر من 74 لوحة في أقل من 70 يوماً! ولا مفاجأة إذاً في احتضان هذه البلدة حالياً معرضاً ضخماً له في قصر "أوفير" بعنوان "فان غوخ، الأسفار الأخيرة"، في مناسبة مرور 170 سنة على ولادته. المفاجأة تكمن في طبيعة هذا الحدث ومضمونه، المهمَّين على أكثر من صعيد.

وفعلاً، يأخذ المعرض شكل مسار رقمي تُقدَّم فيه أعمال فان غوخ بدقة عالية، مصحوبة بالأعمال الأصلية لرسامين من محيطه، نشطوا في الأمكنة نفسها، خلال الحقبة نفسها. وللمرة الأولى، تقدَّم أسفاره الأخيرة كاستكشاف أخير للإنسان والفنان الذين كان عليه، يسمح بالعودة إلى مصادره. هكذا، نرافقه في ترحاله داخل فرنسا، من سنواته الباريسية التي أمضاها في منزل شقيقه تيو، إلى إقامته الأخيرة في "أوفير سور واز"، مروراً بمدينة آرل وسان ريمي دو بروفانس، فندخل إلى حميمية حياته ونتآلف مع سيرورة إبداعه ومختلف البيئات الجغرافية والبشرية التي عاش فيها خلال سنواته الأربع الأخيرة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المعرض يرتكز على الأبحاث الأخيرة المتوافرة حول حياة فان غوخ وعمله الفني، وأيضاً على عنصر بصري أساسي: محفورات "دار غوبيل" التي كان يجمّعها ويبيعها، وطبعت بقوة لوحاته. وداخله، نكتشف أيضاً، أو نعيد اكتشاف، مشاهد من فيلم "شهوة الحياة" الذي أنجزه فينشينتي مينيللي حول الرسام في الخمسينيات، وكان له دور كبير في تكوين صورته كفنان "ملعون"، وقد تم تصويره داخل مناظر طبيعية مشابهة جداً للبيئات التي نشط داخلها.

منظر طبيعي

وخلال المحطات الـ 12 التي يتألف المعرض منها، ننغمس أولاً في مراجع فان غوخ الرسومية والشخصية، بدءاً بعناصر من طفولته التي عاشها في محيط ريفي، وبتربيته البروتستنتية وسنوات دراسته الأولى، مروراً بإرث كل من شارل فرنسوا دوبينيي وجان فرنسوا مييي، رسامّي الطبيعة والحياة القروية، وبلوحات جول دوبري وتيودور روسو وجورج ميشال وكاميل كورو التي تأمّل فيها ملياً في بداياته، وانتهاءً بتعلّقه الوثيق بشقيقه تيو الذي ساهم بقوة في ولادة فنه. وفي هذا السياق، خُصِّصت صالة بكاملها إلى غاليري "بوسو، فالادون وشركائهما" الشهيرة في باريس التي أدارها تيو، وكان نشاطها الرئيس يقوم على طبع الرسوم الطباعية وتسويقها. غاليري تردد فان غوخ الشاب عليها كثيراً وتعرّف داخلها إلى أعمال للفنانين الحداثيين والأكاديميين الذين عرضهم أخوه فيها، مثل جان ليون جيروم، هوراس فيرني، تولوز لوتريك وإدغار دوغا.

بعد ذلك، يحطّ المعرض بنا في باريس، وتحديداً داخل ديكور الشقة البورجوازية التي عاش الرسام فيها مع شقيقه في حيّ مونمارتر من 1886 إلى 1888، ثم في أحياء المدينة، من خلال عرض رقمي على شاشات معلقّة، نتعرّف فيه إلى الشخصيات المهمة التي تفاعل فان غوخ معها خلال هذين العامين، مثل تولوز لوتريك، إميل برنار، أرمان غييومان، غوغان، بول سينياك، جوليان تانغي، وخصوصاً أغوستينا سيغاتوري، ملهمته وعشيقته. ومن باريس، ننتقل إلى اليابان الخيالية الذي عشقها فان غوخ، من خلال رسوم طباعية يابانية مستقاة من مجموعته الخاصة، فإلى مقاطعة بروفانس التي قصدها عام 1888 لاعتباره إياها "اليابان الفرنسية" وأنجز فيها لوحات تعكس، بأسلوبها المتأثّر كثيراً بأسلوب الرسوم المذكورة، مدى أهمية "بلاد الشمس المشرقة" بالنسبة إليه.

أما إقامته في آرل، فيقاربها المعرض من خلال سلسلة لوحات مهمة أنجزها في هذه المدينة، مع إيلائه اهتماماً خاصاً بفصل قطع فان غوخ أذنه فيها، بزيارة غوغان له من أكتوبر إلى ديسمبر 1888، ثم بفقدان الرسام عقله وقراره الدخول إلى مصحّ عقلي قرب آرل، في سان بول دو موزول. مكان أمضى فيه الفترة الممتدة من مايو 1889 إلى مايو 1890، واختبر داخله أزمات عقلية حادة تناوبت مع رسمه أجمل لوحاته، مثل "الليلة المرصّعة بالنجوم"، وإنجازه أعمالاً تأويلية نابضة بالحياة والألوان لمحفورات رسامين كبار كان يتلقى نسخاً منها بانتظام من شقيقه تيو، مثل "نزهة السجناء الدائرية" لغوستاف دوريه، و"قيامة أليعازر" لرامبرانت، و"القيلولة" لجان فرنسوا مييه.

ولأن شهرته كرسام كانت قد تعززت في باريس بفضل المقالات النقدية المدحية العديدة التي حظي بها، قرر فان غوخ، فور خروجه من المصحّ، مغادرة الجنوب الفرنسي والاستقرار في "أوفير سور واز"، ليس فقط لقربها من باريس، وطبيعتها الخلابة واستقطابها رسامين كباراً آنذاك، بل أيضاً لحضور الطبيب غاشيه فيها، صديق الرسامين، الذين كان قادراً ومستعداً لتوفير له العناية الصحية التي كان يحتاجها.

لوحة تمثل حقل قمح وسماء مغيمة

ولاستكشاف الأيام الأخيرة من حياته التي قضاها في هذه البلدة، يخصص منظمو المعرض فضاءً أخيراً وضخماً داخله (300 متر مربع) يتألف من أربع محطات: قرية الفنانين في هذه البلدة التي نتعرّف إليها من خلال الرسامين الكبار الذين أقاموا فيها؛ اكتشاف فان غوخ لهذه القرية الذي يتجلى من خلال الأعمال التي أنجزها فيها؛ حالة الاكتئاب التي وقع فيها، مطلع يوليو (تموز)، ودفعته إلى رسم حقول قمح شاسعة تعكس مناخاتها كآبته وعزلته الشديدتين، فلوحة أخيرة خصّصها لمجموعة جذور كان يمرّ أمامها كل يوم، ونتلقاها كرسالته الأخيرة، نظراً إلى توجهه، فور إنجازها ونقلها إلى غرفته، إلى أحد الحقول المحيطة بالبلدة حيث أطلق النار على صدره عند الغروب: "لقد فعلتُ ذلك من أجل خير الجميع"، يقول لأخيه تيو، قبل أن يفارق الحياة.

أما في المحطة الأخيرة من هذا الفضاء، فنعرف أن تيو توفي بعد ستة أشهر فقط من فقدانه شقيقه، وأن زوجته جوهانا بونجير وجدت نفسها مسؤولة بمفردها عن مصير مئات اللوحات التي لم يكن يعرف قيمتها سوى عدد قليل من الأشخاص، فبذلت جهوداً جبارة، على مدى 15 عاماً، للترويج لفن شقيق زوجها، ونجحت في نهاية المطاف، على رغم صغر سنها ونشاطها داخل عالم ذكوري، من تنظيم معرض استعادي ضخم له في "متحف أمستردام البلدي"، ضمّ أكثر من 400 لوحة، وحسم نهائياً مسألة عبقريته. أعمال يُسقطها معرضه الحالي، الواحد تلو الآخر، على جدران صالته الأخيرة، كدليل ساطع على هذه العبقرية.

وكما لو أن ذلك لا يكفي، يحتضن هذا المعرض في وسطه مشروعاً فريداً من نوعه، مصمماً بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويسمح لنا بالغوص في قلب حياة فان غوخ وعمله الفني، عبر منحنا إمكان إجراء حوار تفاعلي معه. مشروع لا يكتفي إذاً بمدّنا بمعطيات تاريخية دقيقة حول هذا العملاق، بل يجسّده من خلال رسوم حيّة واقعية، فيحضر أمامنا بشخصيته وصوته، بعبقريته وإنسانيته، ويجيب على أسئلتنا، الأمر الذي يوفر لنا فرصة فريدة لبلوغه وفهمه من خلال تواصل مباشر ومثير معه، محوّلاً بذلك تجربة التعلّم إلى مغامرة حقيقية.