بازبدە بۆ ناوەڕۆکی سەرەکی

استعادة المفكر التنويري فرح أنطون

المفكر التنويري فرح أنطون
AvaToday caption
في مشروعه النهضوي، يتمحور اهتمامه حول "تغريب" الشرق بالمعنى العلمي، وتقدم المرأة، والثورة الفرنسية، والعلم الأوروبي
posted onAugust 24, 2022
noبۆچوون

قبل مئة عام رحل عن هذه الدنيا الكاتب النهضوي فرح أنطون، عن ثمانية وأربعين سنة (1922-1874)، أمضاها في الكتابة والتأليف والترجمة والعمل الاجتماعي والوطني، وتمخّضت عن نتاج فكري ضخم، على المستوى الكمّي، يتوزع على سبعة مجلدات ضخمة من مجلة الجامعة وستة كتب موضوعة وتسعة كتب مترجمة، ومتنوّع، على المستوى النوعي، بحيث يشمل المقالة والقصة والرواية والمسرحية والشعر والرسالة والنقد الأدبي والمناظرة والتاريخ والفكر السياسي والديني وغيرها. وعلى ضخامة هذا النتاج المنشور وتنوّعه، فإنه لا يشتمل على جميع ما كتبه أنطون خلال حياته القصيرة، وبقيت هناك نصوص موزعة على الصحف والمجلات التي كتب فيها، مطلع القرن العشرين، ولعلّها تحتاج إلى من يطلبها في مظانّها، ويقوم بتبويبها وتصنيفها ونشرها.

وهذا ما أنجزه الكاتب اللبناني أحمد أصفهاني في كتابه "فرح أنطون – قصص ونصوص غير منشورة"، الصادر عن دار نلسن، بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لوفاته، وأراده "مساهمة متواضعة لاسترجاع نتاج مفكر نهضوي وصفه مارون عبود بأنه "أبو النهضة الفكرية الحرة ورسول الديمقراطية في الشرق العربي" (ص7 و8). وأنطون "أديب اجتماعي [...]، وداعية للأخوة الإنسانية، وصحافي مجدد، وروائي مبدع، ومؤلف مسرحي من الطبقة الأولى، وكاتب سياسي"، على ما ينقل أصفهاني عن يوسف أسعد داغر (ص8). فمن أين أتى المؤلف بتلك النصوص؟ وما هي المحاور التي تندرج فيها؟

يشير أصفهاني، المتخصص في أدب عصر النهضة وأدبائه، في مقدمة كتابه إلى أنه، خلال عمله على وضع كتاب "روز أنطون: كاتبة نهضوية مجهولة"، الصادر عام 2018، عثر في مجلة "السيدات والبنات" التي كانت ترأس تحريرها، ما بين العامين 1903 و1906، على أكثر من ثلاثين نصاً منشوراً فيها، تتراوح بين "القصص الموضوعة والمترجمة، والمقالات الفكرية والاجتماعية، والحوارات النسائية"، وقام بتصنيفها ما بين الفكر والأدب والنسائيات والقصص والمجتمع والمشكلات المهنية وشؤون المجلة (ص36)، وأعدها للنشر. وهي نصوص تتموضع في مرحلة انتقالية من حياة صاحبها الفكرية، بين مرحلة النهوض (1899-1902) ومرحلة الأفول (1910-1922)، وتشكل جسراً بين المرحلتين.

في المقدمة، يلقي أصفهاني الضوء على حياة أنطون الفكرية ومحاور اهتمامه النظرية وحقول عمله العملية، ويبين موقعه في حركة النهضة وعلاقاته برجالها، ويرصد المحطات الفارقة في حياته الفكرية والعملية القصيرة. ويتوقف، في هذا السياق، عند مشروعه الصحافي، ومشروعه النهضوي، ومناظرته الرشدية، وتجربته الأميركية، ومجلته النسائية. وهذه المحطات جميعها تشكل أسلحة متعددة لمعركة واحدة هي معركة التنوير.

لكل من هذه المحطّات تمظهراتها ونتائجها؛ ففي المشروع الصحافي، يرصد أصفهاني تمحور الاهتمام الأنطوني حول مجلة الجامعة التي أصدرها أنطون في مدينة الاسكندرية في 15 مارس (آذار) 1899، وتوقفت في العام 1907 عن سبعة مجلدات. وفي مشروعه النهضوي، يتمحور اهتمامه حول "تغريب" الشرق بالمعنى العلمي، وتقدم المرأة، والثورة الفرنسية، والعلم الأوروبي. وفي المناظرة الرشدية يتوقف أصفهاني عند المعركة الفكرية بين أنطون والإمام محمد عبده عام 1902، وتمخّضت عن كتابي "ابن رشد وفلسفته" لفرح أنطون و"الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية" للإمام محمد عبده. وفي تجربته الأميركية، ينتقل إلى نيويورك عام 1905 ليصدر مجلة الجامعة منها، فيصدر العدد الأول في يوليو (تموز) 1906، والعدد العاشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1908، غير أن ما يواجهه أنطون، من تنافس مهني وحسد مرضي ومصاعب مالية، يؤدي إلى فشل المغامرة الأميركية. وتتمثّل المحطة النسائية في قيامه بإصدار مجلة "السيدات والبنات" في العام 1903، وإسناد رئاسة تحريرها إلى شقيقته روز، والمساهمة في تحريرها بأسماء مستعارة، ما تمخّض عن نصوص مختلفة، في النوع والمضمون، تشكل مادة هذا الكتاب. وعليه، يُعنى أصفهاني في مقدّمته بترجمة حياة الكاتب بمحطّاتها المختلفة أكثر ممّا يُعنى بدراسة النصوص التي وقع عليها واستخراج الخلاصات المترتبة على الدراسة.

تتراوح النصوص المنشورة في الكتاب بين المقالة والقصة والرسالة وغيرها، وتخوض في شؤون التربية والاجتماع والمرأة والأدب والمهنة وغيرها. وتلقي أضواء أخرى على شخصية كاتبها ومحاور اهتمامه الفكرية. في التربية، يدعو إلى "إنشاء مدارس ابتدائية جديدة تكون التربية الأدبية (الأخلاقية) مقدمة على كل شيء" (ص61)، ولعلّه من أوائل المنادين بمجانية التعليم وإلزاميته حين يدعو إلى "إنشاء مدارس مجانية إلزامية في كلّ مدينة وكلّ قرية لتعلّم جميع أبناء الأمة بلا استثناء تعليماً صحيحاً" (ص62).

وفي الاجتماع، يبدو أنطون شرقياً بامتياز خلافاً لغربيته في العلم والترقي، فيدعو إلى المحافظة على القيم الشرقية في الأسرة والمجتمع، ويرفض ما يصدره الغرب من سلوكيات غريبة باسم الحرية والتحرر. لذلك، يتخذ موقفاً سلبياً من الرقص، على سبيل الذكر لا الحصر، ويراه "من العادات غير الحسنة التي لا نتمنى انتشارها في بلادنا" (ص203).  وفي المرأة، يوليها اهتماماً كبيراً، ويفرد لها حيّزاً ملحوظاً في مشروعه النهضوي، ويراهن عليها في عملية النهوض والترقي. ولعل هذا الاهتمام هو ما حدا به إلى اقتراح منهج تعليمي لإعداد الفتاة للحياة يقوم على: علم النفس، فن تدبير المنزل، فن تربية الأولاد، الرياضة البدنية، وعلم الصحة، الكيمياء المنزلية، الاقتصاد في النفقة، الأشغال اليدوية، التصوير وشيء من الموسيقى. وهذا المنهج، على أهميته، محافظ بالمعنى الاجتماعي، يعدّ الفتاة لتكون زوجة وأماً ومدبرة منزل أكثر ممّا يعدّها لأدوار أخرى.

وفي الأدب، لا يفصل أنطون بين الأدب والأخلاق، ويتخذ الأخيرة معياراً لاقتراح كتب المطالعة على السيدات والبنات، ويرفض الخلاعة في الرواية ودسَّ السمّ في الدّسم، بذريعة اشتمال الرواية على "شيء غريب"، يجذب القارئ، ويضرب أمثلة على هذا "الشيء الغريب"، في أحد مقالاته، لا تُعتَبَر خليعة، إذا ما قيست بمعايير اليوم الأدبية، مما يعني أننا إزاء سلّم قيم يتحرّك، مع الزمن، ولو ببطء.

إذا كان لي أن أرسم بورتريهاً فكرياً لفرح أنطون، انطلاقاً من النصوص التي كشفها أحمد أصفهاني خلال بحثه الدؤوب، ونشرها في كتابه، فيمكن القول إننا إزاء شخصية توفيقية بين مجموعة من الثنائيات المتضادة، فتأخذ من كل طرف من طرفي الثنائية الواحدة بشيء. وعليه، يحاول التوفيق بين الشرق والغرب، الدين والعلم، المسيحية والإسلام، الإيمان والتديّن، العقل والشرع، الولاء العثماني والإصلاح الوطني، الأدب والأخلاق، وغيرها من الثنائيات التي عرفها الربع الأول من القرن العشرين. ففرح أنطون شرقي في الأخلاق، غربي في العلم. محافظ في الاجتماع، ليبرالي في الفكر. أخلاقي في الأدب، أديب في الأخلاق. مؤمن من دون طقوس، صاحب قضية تنويرية وقف عليها حياته ومات دونها. وهو، على منزعه التوفيقي، لم يسلم من تقوّل المتقوّلين والطاعنين في إيمانه، ومن تغوّل المتغوّلين وكيل الاتهامات له.

ولعل خير مسك لختام هذه العجالة قول الطيب تيزيني فيه: "إن المفكر المنوّر فرح أنطون ينطلق من أن تحرير العقول من التعصب الديني وضيق الأفق العقلي، يمثّل المدخل إلى فهم كيفية تحقيق التقدم في الشرق". وهذه الريادة النهضوية التي يمثّلها الرجل، تجعل من الإضاءة الجديدة التي ألقاها أصفهاني عليه، قيمة مضافة إلى إضاءات سابقة.