Skip to main content

تهديد روسي لمناطق الإدارة التركية شمال سوريا

سوري يقف على بقايا منزله بعد دماره
AvaToday caption
لا تنحصر أسباب القصف الروسي على مناطق الإدارة التركية على الشق الاقتصادي فقط، بل تنحسب إلى أسباب عسكرية، وهو الأمر الذي تؤكده الضربات الصاروخية والمدفعية التي تستهدف مدينة الباب بين الفترة والأخرى، كبرى مدن "درع الفرات"
posted onMarch 8, 2021
nocomment

عندما تقصف روسيا مناطق ريف حلب شمال سوريا، فهي تهدد بذلك أبرز المناطق الخاضعة للإدارة التركية، والتي تسعى أنقرة، منذ سنوات، لتثبيت الاستقرار فيها، في خطوات استباقية لمشروع "المنطقة الآمنة"، والذي تحدث عنه المسؤولون الأتراك على عدة فترات، وفي مقدمتهم الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان.

التهديد حصل بالفعل ليل الجمعة، حيث قصفت موسكو ومعها نظام الأسد بصواريخ بالستية سوقين لتجارة المحروقات قرب مدينتي جرابلس والباب شرقي حلب السورية، ما أسفر عن مقتل 4 مدنيين وإصابة العشرات، إلى جانب احتراق أكثر من 200 شاحنة محملة بالنفط، يقدر ثمن تحمله بمئات آلاف الدولارات.

الحادثة لم تكن الأولى من نوعها، إذ اعتاد سكان ريف حلب الشمالي والشرقي في الأشهر الماضية على هكذا نوع من القصف الصاروخي، والذي يتركّز بشكل أساسي على أسواق المحروقات، ويخرج فقط من منصات القواعد الروسية والتابعة لقوات الأسد.

هي أحداثٌ شكّلت وبشكل تراكمي "لغزا يصعب حله"، لا سيما مع صمت بالمواقف من أنقرة وموسكو لتوضيح ما يحصل، سواء كان نتاج خلافات بين الطرفين أو عمليات ضغط يسعى فيها الطرف المنفذ لتحقيق مآرب، قد تكون عسكرية أو اقتصادية.

ومما سبق هناك تخوف، وفي ذات الوقت وجومٌ يخيم على المدنيين، والذين خابت آمالهم في العثور على منطقة بعيدة عن الصواريخ والطائرات الحربية، فما تشهده مناطق ريف حلب حاليا كسر فرضية "المناطق الآمنة"، والتي ورغم إمكانية رسم حدودها الجغرافية، إلا أن سماءها ما تزال بيد حلفاء الأسد الروس.

قبل الحديث عن الأسباب التي تدفع موسكو لقصف أسواق المحروقات في المناطق الخاضعة للإدارة التركية، لابد من تفصيل آلية دخول هذه المواد النفطية إلى المنطقة، والتي يبدأ طريقها من وجهة واحدة لا غيرها هي مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" في شرق سوريا.

أحد سائقي شاحنات الوقود التي طالها القصف الروسي في ريف حلب، تحدث لـ "موقع الحرة"، حيث يقول إن الصواريخ البالستية الروسية أسفرت، الجمعة، عن تدمير وتضرر قرابة 300 شاحنة. الواحدة منها محملة بـ175 برميل نقط خام، بوزن تقريبي يزيد عن 36 طنا".

ويضيف السائق، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن عملية توريد المحروقات إلى ريف حلب الشمالي الخاضع لإدارة أنقرة يحتكرها تاجر سوري يدعى "محمود الخليفة"، حيث تدخل جميع التوريدات تحت اسمه، والجهة التي تخرج منها هي حقول الرميلان في محافظة الحسكة، الخاضعة لسيطرة القوات الكوردية.

يتنقل الخليفة بين الفترة والأخرى بين مناطق ريف حلب وصولا إلى مناطق سيطرة "قسد"، من أجل إتمام صفقات شراء المحروقات، وبعد ذلك يوضح السائق: "وصول المواد النفطية يتم عبر سائقين، يتولون نقل كميات النفط المحددة بعد تعبئتها في الشاحنات، يدخلونها إلى مناطق الإدارة التركية من المعبر الواصل بين منبج ومنطقة الحمران التي طالها القصف الصاروخي".

وفي أثناء وصولها إلى منطقة الحمران، وأيضا إلى منطقة ترحين شمال مدينة الباب (ضمن مناطق الإدارة التركية)، تصطف الشاحنات لأيام وفي بعض الأحيان لأسابيع في ساحات يعود استثمارها للتاجر "الخليفة"، وتاجر آخر كان قد دخل على خط هذه العملية التجارية منذ قرابة شهر، وهو من عائلة "الجبان".

ويتابع السائق الذي تحدث مع قناة "الحرة": "اصطفاف الشاحنات لأسابيع جعل منها هدفا سهلا للصواريخ الروسية"، ويشير إلى أن الضرر الأكبر يصيب السائقين كون ملكية الشاحنات تعود لهم، لاسيما أنهم يعملون بـ "الأجرة" على نقل المحروقات التي تعود كاملة لحساب التاجر محمود الخليفة.

وينحدر الخليفة من ريف حلب الشمالي، ويملك شركة كبرى لا يقتصر عملها فقط على توريد المحروقات من مناطق سيطرة القوات الكوردية، بل ينسحب أيضا إلى تجارة الاسمنت والحديد، وتساعده في ذلك إحدى الفصائل العسكرية التابعة لـ"الجيش الوطني"، وبحسب السائق: "توفر له حماية أمنية وترفيق كامل للشاحنات".

واللافت أن التجارة التي يسير فيها تتناقض مع الحال العسكري والسياسي الخاص بكل من مناطق ريف حلب ومناطق سيطرة القوات الكوردية، فهي مناطق نفوذ في حالة حرب مستمرة منذ سنوات.

ويغيب الموقف الروسي والتركي بشأن الاستهدافات المتكررة لأسواق المحروقات في ريف حلب، لكن مصادر من المعارضة السورية تقول إن موسكو سبق وأن هددت في عدة لقاءات واجتماعات بقصف أي شحنة نفط تدخل إلى المنطقة، كونها "شحنات مسروقة".

وقبل 25 يوما من القصف الروسي كانت "قوات سوريا الديمقراطية" قد منعت تمرير شحنات المحروقات إلى مناطق سيطرة نظام الأسد، والتي تعيش أزمات خانقة في الحصول على الوقود، الأمر الذي انعكس على مجالات اقتصادية أخرى، بينها الأفران وحصول المواطنين على الخبز.

في المقابل لم تنقطع الشحنات المخصصة لمناطق سيطرة فصائل المعارضة التي تدعمها أنقرة في ريف حلب، لتتحول إلى هدف روسي مباشر، لم يتبق منها ولو ليتر واحد من الوقود.

وزير الاقتصاد والمالية في "الحكومة السورية المؤقتة"، عبد الحكيم المصري، يرى أن الأسباب الاقتصادي تقف وراء استهداف الروس لأسواق المحروقات في ريف حلب.

ويقول المصري في تصريحات صحفية إن "موسكو تتعمد تنفيذ هكذا نوع من الاستهدافات، كونها لم تتمكن مؤخرا من الحصول على النفط من قسد. وتريد الاستحواذ على كامل الكمية، ومن جانب آخر تحاول إحداث أزمة في المناطق المحررة".

وعلى الرغم من حجم الكارثة التي ضربت أسواق المحروقات في ريف حلب الشمالي، إلا أن المصري يوضح أنها لن "تؤثر اقتصاديا"، كون المناطق الخاضعة للإدارة التركية تعتمد أيضا على المحروقات القادمة عبر طرق الترانزيت من أربيل في العراق، ومرورا بالأراضي التركية.

وبحسب المصري فإن "روسيا لا تضع أي اعتبار بشأن المناطق التي تستهدفها، من زاوية أنها تخضع للإدارة التركية"، ويتوقع أن يرد الجانب التركي عما يحصل من استهدافات في المرحلة المقبلة.

قد لا تنحصر أسباب القصف الروسي على مناطق الإدارة التركية على الشق الاقتصادي فقط، بل تنحسب إلى أسباب عسكرية، وهو الأمر الذي تؤكده الضربات الصاروخية والمدفعية التي تستهدف مدينة الباب بين الفترة والأخرى، كبرى مدن "درع الفرات".

ومنذ عام 2020 نفذت روسيا عدة ضربات جوية استهدفت بها وسط مدينة الباب، والتي تضم مئات الآلاف من المواطنين الأصليين والنازحين، الأمر الذي فسّره مراقبون بمثابة رسائل تحاول إيصالها موسكو لأنقرة بأن المناطق الحدودية لن تكون آمنة ومستقرة على الدوام.

يقول الباحث السوري، أحمد حسن، في تصريحات لـ "موقع الحرة" إن "الهدف الأول من الاستهدافات الروسية هو ضمان عدم الاستقرار الاقتصادي في المناطق المحررة، وإبقاء المنطقة تحت حالة الضغط العسكري بدون معارك عسكرية، والاكتفاء بتهديد هذا الاستقرار عبر رسائل دورية كل فترة".

أما الهدف الثاني فهو "الضغط على قسد والفصائل المتعاونة معها في تجارة النفط وإضعاف مواردها الاقتصادية".

وهناك هدف ثالث، بحسب حسن، يكمن في محاولة روسيا "تجريب بعض الصواريخ الروسية البالستية التي هي قيد الاختبار حاليا، حيث يتم اختبارها في هذه النشاطات الروسية المتقطعة في كل فترة".

ووفق ما قالت مصادر عسكرية من ريف حلب لـ "موقع الحرة" فإن الصاروخ الذي استهدف أسواق المحروقات منذ أيام من نوع "9M79M Tochka"، وهو صاروخ روسي بالستي، سبق وأن استخدمته موسكو في مناطق سورية متفرقة، تخضع لسيطرة فصائل المعارضة.

وتمتلك القوات الروسية المنتشرة في سوريا مخزونات من الذخائر العنقودية، كما هو موثّق في صور نشرتها وسائل الإعلام الرسمية.