Skip to main content

"أطلانطيدا" هدية موسيقية لم تكتمل

أطلانطيدا
AvaToday caption
عمل دي فاليا الذي يمكننا الحديث عنه هنا هو ذلك العرض الضخم الذي لم يشأ أن تنتهي حياته من دون أن يشتغل عليه بوصفه
posted onJune 30, 2022
nocomment

هناك في التاريخ الأكثر حداثة للفنون الاستعراضية والذي اتسم باستفادته القصوى من التقنيات التنويرية والكهربائية الحديثة كما تطورت وباتت من الوسائل المتوافرة للفنون، ولا سيما خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر عشية بروز السينما بوصفها التزاوج المطلق بين الفن والصناعة والإبداع والتقنيات، هناك أعمال إبداعية لا شك أنها ستسود بقوة في القرن العشرين، تشبه الأوبرا التقليدية لكنها لا تنتمي إلى فن هذه الأوبرا، وتشبه المسرح الكلاسيكي لكن من الصعب أن تنتسب إليه تماماً، وتكاد تشبه العروض الراقصة لكنها ليست عروضاً راقصة. ولعل الأنسب هنا أن نطلق عليها اسم عروض مسرحية وهو الاسم الذي جرى التعارف على استخدامه ما يقربه أكثر من أي شيء آخر إلى المسرح. ومع ذلك على عكس ما هي الحال في المسرح، لا يكون النص المكتوب هنا العنصر الأساس. ومن هنا تبدو هذه العروض قريبة إلى الأوبرا على الرغم من ضآلة احتفائها بالتراجيديا الفردية والتاريخية غالباً التي غلبت على ذلك الفن الغنائي الكبير.

خصوصية فن مبتكر

والحقيقة أنه كان من شأننا أن نقرب هذه العروض من السينما الاستعراضية الكبيرة لولا خصوصيات اتسمت بها وجعلتها ترتبط أكثر من أي شيء آخر باسم الملحن. ولعل في وسعنا هنا أن نذكر أسماء عدد من الموسيقيين أبدعوا في هذا المجال من دون أن يكونوا كتاباً أو مخرجين مسرحيين أو مبدعي أوبرا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة: كارل أورف في اشتغاله على "كارمينا بورانا" ولكن بخاصة على "أنطيغونا"، وسكريابين في عروضه التي تفوق الخيال، وبخاصة سترافنسكي الذي ولا سيما تحت دفع من دياغيليف وباليهاته الروسية الرائعة، طور فنه بحيث إن معظم نتاجاته انتمى بشكل أو بآخر إلى هذا النوع. وهذه اللائحة تطول لكننا سنتوقف هنا ولكن مع إطلالة خاصة على الإسباني مانويل دي فاليا الذي برع في هذا النوع إنما دون أن ينحو دائماً إلى إضفاء خصوصية عليه. ولعل عمل دي فاليا الذي يمكننا الحديث عنه هنا هو ذلك العرض الضخم الذي لم يشأ أن تنتهي حياته من دون أن يشتغل عليه بوصفه، وبحسب تعبيره نفسه، "هدية أخيرة" إلى وطنه الإسباني بل بالأحرى إلى وطنه الإيبيري (أي شبه الجزيرة التي تضم إسبانيا والبرتغال). ولعل اللافت هنا العنوان الذي اختاره لذلك العرض، الذي رحل في عام 1946 وهو يعيش في الأرجنتين منفياً، من دون أن يتمكن من استكماله، فتولى ذلك واحد من أقرب تلامذته إليه، هالفتر الذي لم ينقل العرض إلى المسرح إلا في عام 1962 نقلاً صاخباً واستثنائياً.

تحية لقارة ضائعة

وكان ذلك التقديم على أية حال مناسبة لإعادة دي فاليا إلى واجهة الأحداث الفنية الأوروبية، وهو الذي لم يغب عنها طويلاً من حيث إن أعمالاً كثيرة له لا تزال تقدم بشكل متواصل لعل أهمها "إيبيريا" و"ليال في حدائق إسبانيا"، لكن هذا الاستعراض الذي نتناوله هنا سيكون دائماً ذا نكهة مختلفة.

وكان دي فاليا مدركاً لهذا منذ شرع يكتبه في عام 1926 مستنداً إلى نص تاريخي أسطوري يحمل العنوان نفسه الذي سيحمله العرض، الذي سمي توافقاً "أوبرا" على الرغم من أمور كثيرة تفرقه عن الأوبرا، "أطلانطيدا". وهذا النص هو في الأصل من كتابة الشاعر الإسباني فرداغير الذي كتبه شعراً (1877)، في وقت كانت إسبانيا، بلده في حاجة إلى نوع من إعادة اعتبار لتاريخها القديم يستعرض عظمة جذورها المكونة. ومن هنا لم يكن من الصدفة أن يتولى دي فاليا بنفسه اقتباس ذلك النص الشعري وهو الذي كان يشعر بضرورة القيام بتلك الخطوة الإبداعية تجاه وطنه عند نهايات الربع الأول من القرن الأصعب في تاريخه. والحقيقة أن الحكاية تتعلق أصلاً بالعنوان نفسه.

فدي فاليا، حين يسير على خطى فرداغير في تبني اسم الأطلنطيد كاسم قديم للجزيرة الإيبيرية فإنما يربط تلك المنطقة البائسة الآن من العالم والتي تبدو، بعد عظمة ماضية، كاليتيم البائس على الساحة الأوروبية التي كانت تصطرع فيها الأطماع والأفكار، إنما كان يذكر بما يفترض النص أن إيبيريا كانت عليه في ذلك الماضي البعيد!

إسبانيا سيدة العالم!

وما كانت عليه إيبيريا بحسب ذلك العرض إنما هو منطقة من العالم تمتد غرباً وجنوباً، إلى أبعد كثيراً مما تمتد عليه شبه الجزيرة الحالية، بمعنى أنها إنما تشكل جزءاً من تلك القارة الأطلانطيدية التي زعم أفلاطون وزعم كثر من بعده ما كانت الأساطير تؤكده قبل ذلك من أن أطلانطيد إنما هي قارة أغرقتها عاديات الزمن والطبيعة في مياه المحيط الذي سيصبح أطلسياً، بعد أن عرفت مجداً كبيراً بل شهدت ما يمكن اعتباره أكبر إمبراطورية حقيقية في تاريخ البشرية، بالتالي استند دي فاليا إلى هذه الأسطورة لينتج عملاً فنياً أراده منذ البداية أن يكون سياسياً وتاريخياً ووطنياً يستنهض همماً تكاد تغرق في سبات مؤذٍ، لتفيق وتعرف كيف كانت حالها في الماضي وكيف يتعين أن تكون حالها مذاك وصاعداً. ولعل أغرب ما في الأمر أن هذا العرض المدهش والغارق في الأدلجة، حتى وإن كان قد أتى موسيقياً في الأقل كنوع من التتويج اللاحق لفن دي فاليا الموسيقي الإسباني حتى النخاع، لم يقدم للمرة الأولى في إسبانيا ولا في أي بلد آخر يتكلم الإسبانية، كالأرجنتين مثلاً التي عاش فيها الموسيقي ردحاً من حياته وأبدع فيها بعض أهم أعماله ولا سيما التجديدية منها، بل في ميلانو بإيطاليا، وتحديداً على خشبة "لاسكالا" المعتبرة الأعرق أوبرالياً في العالم. ولعل مكان ذلك التقديم كان العامل الحاسم في اعتبار "أطلانطيدا" أوبرا بكل بساطة!

من مكتشف أميركا إلى قاهر العمالقة

مهما يكن من أمر، كما حال العروض المسرحية وطبعاً الأوبرالية الكبرى، يتألف عرض "أطلانطيدا" من تمهيد وثلاثة فصول وتلعب الموسيقى الدور الأساسي في مجرياته، لكن له في المقابل حبكة مسرحية بالغة الجدية تكاد تنتمي في سياقاتها وعلاقتها بالتاريخ الذي ترويه، على الرغم من أسطوريته، إلى المسرح الإغريقي. ولعل هذا يتأتى خاصة من كون العرض قد أعطى البطولة إلى شخصية هرقل التي تتأرجح بين بعدين، واقعي وتاريخي من جهة، وأسطوري خرافي من الجهة الثانية. ولعل من الطريف هنا أن البعد "المسرحي" في العرض يتعامل مع الجانب التاريخي من شخصية هرقل فيما يتعامل البعد "الموسيقي والذي يكاد يكون أوبرالياً" مع الجانب الخرافي ما يمكنه أن يجعل من هذا العرض في نهاية المطاف حدوداً متحركة بين العالمين، بخاصة أن دي فاليا حرص على أن يترك للجانب المسرحي "الحدثي" مجالاً واسعاً للظهور كونه يرتبط بالبعد الوطني الذي كان منذ البداية يتطلع إلى التركيز عليه.

أصل الحكاية كلها

أما بالنسبة إلى الحكاية التي تدور من حولها الأحداث، فتتعلق بالبحار الجنوي الشاب كريستوف كولومبوس، الذي تغرق به سفينته التي كان يتجه بها غرباً ويجد نفسه سالماً وقد ألقت به الأمواج على شاطئ جزيرة لا يعرف عنها شيئاً، ليكتشف بعد حين أن ثمة وحشاً عجوزاً يسكن الجزيرة وحده. وهذا الوحش هو الذي في الفصول الثلاثة التالية للتمهيد والتي يتألف منها العرض، يروي لكولومبوس حكاية هذه الجزيرة التي كانت في الماضي قارة بأكملها مرتبطة بالجزيرة الإيبيرية فأغرقها طوفان فصلها عن إيبيريا التي وجدت نفسها تلتحم بما يجاورها من المناطق الأوروبية. ويواصل الوحش العجوز حكايته التي تتحول إلى مشاهد بصرية ولا سيما حين يتحدث العجوز عن الذهب الذي كان متراكماً بما فيه كنوز الملك سليمان وجرة الإغريق الذهبية، وصولاً إلى حكاية البطل هرقل وتجواله في المناطق المتاخمة والصراعات التي يخوضها ضد العمالقة وفي سبيل استعادة مجد القارة المفقود يوم كانت هذه "أروع مكان في الكون" و"أغنى الأراضي جميعاً" مليئة "بالحدائق والطبيعة الرائعة"، واصفاً الجهود التي لم يتوقف هرقل عن بذلها لاستعادة ذلك كله وبخاصة مشاهده الرائعة وهو واقف عند ما سيسمى لاحقاً جبل طارق ومن قبل ذلك أعمدة هرقل.

كل هذا يرويه هذا العرض متحسراً على ما كان من شأن هذه الرقعة الاستثنائية من العالم، قبل أن يختتم بالكيفية التي تمكن بها كولومبوس في نهاية الأمر من أن يجعل من سفينته "كارافيل"، ذلك الجسر الذي كان لا بد منه لربط هذا العالم الجديد بالقارة الأوروبية التي كانت الجزيرة الإيبيرية سيدة عليها ذات حين.