تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا لا يتفاوضون بصورة علنية؟

خامنئي وترامب
AvaToday caption
لماذا لا يريد مسؤولو إيران أن يسلكوا طريق المفاوضات لحل مشاكلهم مع الولايات المتحدة، في ظل ما يمتلكونه من أدوات في المنطقة (الحضور العسكري في سوريا ووجود حلفاء لهم في العراق واليمن ولبنان)،
posted onMay 23, 2019
noتعليق

مجيد محمدي

على الرغم من الطلب المباشر والمتكرر للرئيس ترامب من زعماء إيران من أجل الحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات، صرح خامنئي وروحاني وظريف في إطار منسق بأنهم ليسوا مستعدين للتفاوض مع حكومة ترامب.

فالمفاوضات التي أجراها ترامب مع زعيم كوريا الشمالية “كيم جونغ أون” وجهًا لوجه تُشير إلى أنه جاد في التفاوض مع زعماء الدول بما فيهم الحكومات المتمردة.

لكن زعماءَ إيران يعارضون خلال هذه الفترة بشكل جاد أي نوع من المفاوضات.

لقد صرح خامنئي، قائلًا "إنَّ التفاوض مع الحكومة الحالية لهذه الدولة سمٌ مضاعف". (كيهان 15 مايو 2019) ويقول حسن روحاني " ادعاء الطرف الذي يقول إنه سيجرّنا إلى طاولة المفاوضات، ادعاء واهٍ، نحن لسنا مستعدين للانصياع إلى مثل هذه المفاوضات حتى لو تكاتفت جميع القوى في العالم مع بعضها البعض". (18 مايو 2019)، وقال ظريف أيضًا صراحةً  "المفاوضات غير ممكنة بأي شكل". (بي بي سي فارسي 16 مايو 2019).

فضلًا عن هؤلاء المسؤولين، يحتجُّ مسؤولو التيارات الإيرانية المختلفة سواء الإصلاحية أو الأصولية على التفاوض مع حكومة ترامب.

بالطبع هناك مباحثات جارية حاليًا في الخفاء مع بعض الدول مثل: اليابان وعمان بوصفهم وسطاء بين الحكومتين الإيرانية والأمريكية، الاحتجاج على التفاوض الرسمي والعلني أحدُ الموضوعات المعدودة التي تتفق جميع التيارات بشأنها.

هل تقتضي المصالح والأمن القومي الإيراني مثل هذا الأمر، أم أنَّ هناك قضايا وموضوعات أخرى تلعب دورًا وراء ذلك؟

مبررات رفض المفاوضات ونقدها

المبررات التي يذكرها مسؤولو إيران حول المفاوضات:

1:  المفاوضات مع حكومة ترامب لا جدوى منها بعد خروجه من الاتفاق النووي.

2: الاستسلام الذي تريده الحكومة الأمريكية.

3: كسر الغرور الوطني في حالة الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

يمكن ذكر هذه الأسباب الثلاثة لتجنب أي مفاوضات في العالم، هناك دائمًا سوابق في المفاوضات بين الدول يمكن الإفادة منها لتجنب التفاوض.

فالولايات المتحدة الأمريكية تتفاوض مع كوريا الشمالية على مدار عدة عقود، ومرت العلاقات بين البلدين بمسار متأرجح، لكن لا يمكن لهذا الموضوع أن يحول دون عقد مفاوضات جديدة.

تعرض الدول في البداية قائمة بمطالبها من أجل التفاوض، وتضع كل ما تمتلكه من أوراق على الطاولة (مثل العقوبات أو التهديدات) لكن من أجل الوصول إلى اتفاق، عادةً ما يتفاهمون حول بعض منها (المرونة البطولية على حد قول خامنئي).

كما أنَّ التفاوض في جميع الأعراف لا يعني كسر الكبرياء أو الاستسلام، وهذا المعنى لا نجده إلا في عرف فتح البلاد والاقتدار والدعوة إلى الحروب.

على الرغم من العقوبات النِّفطية والمصرفية والمواد الصناعية التي سيتسع نطاقها في المستقبل، ومن المحتمل أن تشمل المنتجات البتروكيماوية كذلك، فإنَّ زعماء إيران يقولون إنهم لا يريدون التفاوض مع حكومة ترامب.

وافق هؤلاء المسؤولون على التفاوض خلال فترة أوباما في أوضاع كانت ضغوط العقوبات فيها أقل، وخلال فترة أوباما كانت أقسى العقوبات النفطية تسمح بتصدير حوالي مليون برميل نفط إيراني، لكن خلال فترة ترامب وصل هذا المعدل في نصف شهر مايو 2019 إلى حوالي 500 ألف برميل في اليوم.

لماذا لا يريد مسؤولو إيران أن يسلكوا طريق المفاوضات لحل مشاكلهم مع الولايات المتحدة، في ظل ما يمتلكونه من أدوات في المنطقة (الحضور العسكري في سوريا ووجود حلفاء لهم في العراق واليمن ولبنان)، ووجود العديد من المشاكل الاقتصادية (معدل تضخم مرتفع 50 % وبطالة حتى 60 % في بعض المدن)؟ هذا الموضوع له أربعة أسباب:

أولًا: الأمل في استجواب أو هزيمة ترامب

إنَّ اتصالات ظريف الهاتفية مع جون كيري وَديان فاينشتاين تشير إلى أنه يأمل الديمقراطيون أن يتم استجواب ترامب عاجلًا أو أن يُهزَمَ في انتخابات 2020.

في هذه الحالة التفاوض مع ترامب لن يؤدي إلى نتيجة، لا يبدو أن الفريق الدبلوماسي الإيراني أخذ في عين اعتباره احتمالية استمرار حكومة ترامب لأربعة أعوام أخرى، في حين أن الوضع الاقتصادي المناسب في الولايات المتحدة يُعدّ من العلامات الدالة على انتخاب ترامب مجددًا.

كما أنَّ إبطال جزء من إجراءات ترامب من قبيل تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية أمرٌ صعب للغاية بالنسبة للحكومة الديمقراطية المحتملة.

وحذف الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية له ثمن باهظ، لقد وضعت إيران جميع بيضها الدبلوماسي في سلة الديمقراطيين منذ بداية انتخاب ترامب؛ من أجل مسايرة الدعاية اليسارية على أمل كسبهم لصفها (بسبب المشاعر والأيدولوجية المعادية لأمريكا وإسرائيل).

ثانيًا-شروط بومبيو الاثني عشر

المفاوضات النووية مع حكومة أوباما كان لها أفق محدود (برنامجها النووي)، ولو كانت حدثت مصالحة لعادت بنتائج محدودة على العلاقات الخارجية وهيئة قمع النظام.

لكن شروط بومبيو الاثني عشر تُشير إلى أن التفاوض مع حكومة ترامب هو حول مجموعة من القضايا المترابطة التي سوف تُجبر إيران على التراجع في نطاقات عديدة.

من البديهي أن مسؤولي إيران لا يريدون ضياع سنوات من جهودهم في البرنامج النووي والصاروخي والتدخلات الإقليمية على يد الحكومة الأمريكية أو القوى الأوروبية.

ثالثًا-شعب أبي طالب

يسعى على خامنئي دائمًا وراء الاقتصاد المقاوم وكان يمدح ظروف شعب أبي طالب، وهذا يعني عزلة إيران في العالم، ومواقفه أمام أوروبا وأمريكا ودول الجوار العربیة وفي المقابل سياسة التوجه إلى الشرق من أجل تقليل ضغوط الدول الغربية، تفيد بهذا المطلب.

فاستمرار العقوبات تمنح خامنئي وموالوه فكريًا فرصة أن يضعوا إيران في عزلة أكبر قدر الإمكان، إذ سيقلل هذا الأمر من تأثير الخارج على الداخل.

فعلى سبيل المثال، كان بإمكان الإيرانيين قبل العقوبات السفر سنويًا إلى الخارج بمعدل أكثر من 9 مليون فرد، وكان خامنئي يعترض أساسًا على هذه الأسفار إلا إذا كانت زيارات دينية.

العقوبات وما تبعها من مضاعفة في سعر العملات الأجنبية بمعدل أربع مرات خلال فترة عام واحد صعبت السفر إلى الخارج للغاية بالنسبة للإيرانيين.

رابعًا-الانتفاع من العقوبات

الطبقة الحاكمة في إيران “تتاجر بالعقوبات”، بمعنى أنهم يتربحون من وجود العقوبات. فيؤَّمن المسؤولون جزءًا من مصالحهم الشخصية من هذا الطريق، وذلك بالإضافة إلى الامتيازات والفساد واستغلال السلطة.

تقريبًا على مدار عام مضى على العقوبات خرجت من الدولة حوالي 30 مليار دولار، ولم تعد كذلك العملة الأجنبية من عوائد الصادرات والبالغة 30 مليار دولار.

هذه الـ 60 مليار دولار لم تذهب إلى يد القطاع الخاص والأشخاص البعيدين عن الحكومة، فالقطاع الخاص في إيران لا يتمتع بمثل هذه القدرة.

هذا الخروج وفي المقابل عدم العودة تمّ بذريعة العقوبات وأوضاع العقوبات، سبب توحيد صوت التيارات السياسية ليس الاتفاق على المصالح الوطنية، وإنما الاتفاق على الانتفاع.

 

باحث غير مقيم بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية