تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحشرات تفتك بمليون شخص

حشرات
AvaToday caption
في عام 2015، نشر الباحث صامويل مايرز، أستاذ في جامعة هارفرد، دراسة خلص فيها إلى التثبت من الربط بين تناقص الحشرات التي تنقل طلع النباتات والزهور وتسهم في عملية التلاقح للنباتات
posted onSeptember 21, 2023
noتعليق

لو لم تنقل الحشرات من الأمراض والأوبئة كلها سوى الملاريا، لكان حرياً بها كل تلك الصور السلبية عنها في أذهان البشر. يكفي الإشارة إلى أن ذلك الوباء الذي ينقله البعوض فتك بالبشر تاريخياً أكثر من أي مرض آخر. وفي عام 2002، أوردت مجلة "نايتشر" العلمية أن الملاريا قضت على أكثر من 55 مليار شخص عبر التاريخ. وتقتل حاضراً طفلاً في كل دقيقة تقريباً. وقد أصابت في 2021 نحو 247 مليون بشري، يعيش معظمهم في مناطق لا تتوفر فيها رعاية صحية كافية، وكذلك قضت في تلك السنة نفسها على 619 ألف نسمة، 77 في المئة منهم تقل أعمارهم عن الخامسة، وفق منظمة "يونيسف" العالمية.

واستطراداً، تتصاعد أرقام ضحايا الأوبئة والأمراض المنقولة بالحشرات، حينما تضاف إليها أعداد من يصابون بحمى الضنك والحمى الصفراء والأمراض التي تحملها أسراب بق الفراش وقراد السرير وغيرها.

في المقابل، لا يتردد معظم خبراء الحشرات في التشديد على الدور الحيوي والحاسم الذي تؤديه تلك الكائنات في استمرارية ظاهرة الحياة على الأرض.

وكذلك ربما يحضر إلى أذهان بعض المتابعين مقولة ذائعة على الإنترنت تنسب إلى العالم الشهير ألبرت آينشتاين وتفيد بأن "البشر سيفنون بعد اختفاء النحل بأربع سنوات".

لعله يغدو من المستطاع الخوض في تلك التناقضات، بداية من النظر إلى الأرض حرفياً.

ومن التراب، تصعد صورة تتحدث عن المساهمة المحورية للحشرات في استمرارية ظاهرة الحياة على الأرض، خصوصاً الجنس البشري، إذ تنفرد الحشرات بأنها تخلص الأرض من فضلات الحيوانات ومخلفاتها، عبر تفكيكها. ويشكل ذلك التفكيك الخطوة الأولى الحاسمة في استفادة التربة من روث الحيوانات ومخلفاتها، مما يعني أن حشرات كالخنفس والجعل، تؤدي دور مصنع إعادة تدوير الفضلات العضوية، خصوصاً الحيوية.

وفق البروفيسور جان بيار ليماريه، من "جامعة مونبولييه الثالثة"، لولا دأب الحشرات في إعادة تدوير مخلفات الحيوانات، لما تجددت خصوبة التربة بالمواد العضوية، ولبقيت تلك الفضلات على ظهر البسيطة سنوات طويلة، من دون فائدة تذكر. وقد شارك البروفيسور ليماريه في إحدى عمليات تجديد خصوبة الأرض بالحشرات، بعد أن تدنت تلك الخصوبة بفعل غياب عمل الحشرات في إعادة تدوير النفايات الحيوانية.

وحدثت تلك العملية في أستراليا خلال حقبة السبعينيات من القرن الـ20، إذ لوحظ أن 30 مليون رأس ماشية أنتجت 33 مليون طن من الروث سنوياً. في المقابل، لم تقبل الحشرات المحلية الآكلة للروث، خصوصاً الخنافس والجعلان، على مخلفات وفضلات تلك المواشي التي استوردها الأوروبيون منذ بداية عهد استعمارهم أستراليا. وبالنتيجة، فقدت أستراليا آنذاك قرابة 10 في المئة من سطح الأرض الصالح للزراعة، أو نحو مليون هكتار. ويضاف إلى ذلك أن التربة العديمة الخصوبة أتاحت المجال أمام تكاثر عناصر مرضية ما لبثت أن ضربت المواشي. ووفق ليماريه، تمثل الحل في استيراد ملايين الحشرات الآكلة للروث، بين عامي 1968 و1982، من أوروبا (موطن المواشي الأسترالية الأول) وجنوب أفريقيا التي استورد مستعمروها الأوروبيون مواشي من قارتهم إليها. ونجح الحل. وتكرر استيراد الحشرات الآكلة للفضلات في 2019، ووضع برنامج في شأن استمرارية ذلك الاستيراد.

إذاً، في غياب الحشرات تموت خصوبة التربة، ومن ثم تهلك الزراعة والأشكال الحية المعتمدة عليها. ولم يكن الدواء الشافي لتلك الظاهرة سوى الحشرات. لعلها مناسبة لتذكر أن الفراعنة الذين اهتموا بالموت والعودة منه، أدرجوا الجعل والخنفسة ضمن خيال الخلود. وربما يعود ذلك إلى أنهم لاحظوا ظهورها، كأنما من عدم، في الأجداث والبقايا الحيوانية المتحللة في سياق تفككها وانحلالها في التراب.

في سياق مشابه، تبرز دراسة أجراها بحاثة من "معهد بوليتكنيك رانسلر" الأميركي وجامعة المكسيك، تناولت إحدى الغابات في بورتوريكو التي استخدمت فيها مبيدات للحشرات بهدف وقاية الأشجار. ولوحظ أنه بين عامي 1976 و2012، حدث انخفاض وازن للحشرات لكنه ترافق مع انخفاض ضخم في أعداد العصافير والضفادع والسحالي، إضافة إلى تآكل أعداد الحشرات الآكلة للروث التي تفكك الفضلات وتجعلها قادرة على تغذية التربة بالمواد العضوية، ومن ثم، انخفضت خصوبة الأرض أيضاً. وتوضيحاً، تقتات العصافير والضفادع والسحالي والوطاويط وأنواع حية أخرى، على الحشرات مباشرة، مما يفسر العلاقة بين تدهور أوضاعها وأعدادها وتناقص الحشرات أو انقراضها.

وقد أظهرت دراسة أشرف عليها "المركز الوطني للبحوث العلمية" في فرنسا قبل أربع سنوات، أن غابات فرنسا فقدت 30 في المئة من عصافيرها فيما شكل تناقص الحشرات سبباً جزئياً في تلك الظاهرة. وبلغت النسبة نفسها نحو 60 في المئة في غابات إنجلترا.

ثمة مناح أكثر مباشرة في تأثير الحشرات إيجابياً في البشر وصحتهم.

وفي عام 2015، نشر الباحث صامويل مايرز، أستاذ في جامعة هارفرد، دراسة خلص فيها إلى التثبت من الربط بين تناقص الحشرات التي تنقل طلع النباتات والزهور وتسهم في عملية التلاقح للنباتات، وزيادة أمراض القلب والجهاز الدوري وارتفاع أعداد الإصابات بالسرطان والسكري. وكذلك تثبت مايرز من وجود رابط مشابه بين تناقص حشرات التلاقح النباتي ومعاناة البشر نقص الفيتامين أ وحمض الفوليك (الأساسي في امتصاص الحديد والوقاية من الأنيميا). وبالنتيجة، توصلت دراسة البروفيسور مايرز إلى الربط بين تلك الاضطرابات المرتبطة بنقص الحشرات، وحدوث 1.42 مليون وفاة بشرية.

وفي عام 2010، أوضحت الباحثة المتخصصة في شؤون المناطق المتوسطية الرطبة بريجيت بولان، أن اختفاء البعوض من تلك المناطق، خصوصاً بفعل استخدام المبيدات، ترافق بشكل ثابت مع تناقص أعداد العصافير التي تقتات عليها، فاختفى ثلثاها، إضافة إلى تناقص أعداد العقارب وآكلي النمل والضفادع والسحالي وغيرها. وشددت بولان على أن ذلك الربط ظهر حتى مع استخدام أنواع فاعلة ومتطورة من المبيدات الحشرية.

وقبل حفنة من السنين، ظهرت دراسة فرنسية تؤكد اقتراب أعداد النحل في باريس من التلاشي. وقد تناول أحد المواقع الإعلامية المهتمة بالبيئة، ذلك الخبر بالتنبيه إلى خطورة اختفاء النحل من باريس. واستعاد الموقع المقولة الشهيرة عن النحل وفناء الإنسان، لكنه أورد أيضاً رسالة كتبها أحد زعماء الهنود الحمر الأميركيين تصف تأثير العمران الحداثي الأوروبي في الحياة اليومية. ولاحظ ذلك الزعيم الحكيم أن الأحاديث عن وفيات بأثر من لسعات العقارب واليعاسيب والرتيلاء وغيرها، قد تناقصت مع تقدم ذلك العمران. واعتبر ذلك نذير شؤم لأنه يدل على اضطراب في إشارات الزمان ومساره.

لا يأتي الكلام عن انقراض الحشرات من عدم، بل يعززه أرقام تفيد بأن 40 في المئة من أنواعها مهدد بالانقراض، بسبب اضطراب البيئة وتغيرات المناخ وتقلص التنوع البيولوجي. وفي الإيقاع الحالي لانقراض الأنواع الحية في بيئة الأرض، يعتقد أن واحداً في المئة من الحشرات بات عرضة لانقراض في كل سنة، عقب تصاعد ظاهرة الاحتباس الحراري والاضطراب المناخي، مما يرسم سيناريو متشائماً عن إمكانية انقراض الحشرات خلال الـ100 سنة المقبلة.

ولذا، يبدي علماء البيئة قلقهم من انقراض الحشرات التي تشكل ثلثي الكتلة الحيوية، أي مجموع كتل الكائنات الحية، على الكرة الأرضية. ويشير العلماء إلى أن ذلك يؤثر في مجمل النظام البيئي، ويسهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.

وفي الحديث عن ضرورة الحشرات للبشر، غالباً ما يجري الحديث عن النحل وأشباهه من الحشرات، بسبب دورها الذائع الصيت في نقل الطلع وبذور الأزهار بين أنواع النباتات، وذلك أمر أساسي في تكاثرها واستمراريتها. والمفارقة أن ذلك لا يشكل سوى الجزء الهين نسبياً من الدور الإيجابي للحشرات. وحتى لو حدث ذلك، لا تتأثر المحاصيل الزراعية الاستراتيجية كالقمح والذرة والرز وقصب السكر وغيرها.

وفي حالة غياب تكاثر النباتات بواسطة الإلقاح بالحشرات، تحل الأنواع التي تلقح بطرق أخرى كالهواء، بديلاً من تلك التي تتكاثر بالإلقاح بالحشرات. ويحل النجيل بديلاً من زهور الأوركاديا، مثلاً، فيما تتآكل محاصيل فواكه كالكيوي والكاكاو.

وأثبتت دراسات شارك فيها "المعهد الوطني للبحوث الزراعية" Institut National de la Recherche Agronomique أن 60 في المئة من المزروعات لا تعتمد على التلاقح بالحشرات، فيما تضم صفوف الـ40 في المئة الباقية، مجموعة كبيرة من المزروعات التي لا تعتمد بصورة حصرية على التلاقح بالحشرات في تكاثرها. وبالنتيجة، تضم قائمة المزروعات التي تعتمد بصورة حصرية على التلاقح بالحشرات، 13 صنفاً من بينها الكيوي والكاكاو والشمام والبطيخ والقرع.

واستكمالاً، تتأثر البلدان التي تعتمد على تلك المزروعات، ربما بصورة اقتصادية أساساً. ومثلاً، تعتبر ساحل العاج المنتج الأول للكاكاو الذي يشكل 40 في المئة من صادراتها وتعتمد عليه شريحة واسعة من سكانها.

ويرجح أن تآكل محاصيل الكاكاو سيؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واسعة، مما يضيف بعداً آخر في النظر إلى علاقة الإنسان بالحشرات.

وفي سياق متصل، تراوح الأرقام عن نسبة انخفاض الناتج الزراعي العالمي ما بين ثلاثة وخمسة في المئة عالمياً، لكنها تصل إلى ثمانية في المئة ضمن البلدان النامية. ومن ثم يرجح أن تلجأ الأخيرة إلى التوسع في أنواع أخرى من الزراعات، وزيادة مساحة الأراضي المخصصة للزراعة، مما يؤثر في المساحات المخصصة للغابات مثلاً، ويفاقم أيضاً اضطراب المناخ واهتزاز التنوع البيولوجي في الكرة الأرضية.